محمد بن جرير الطبري

89

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا داود بن أبي هند ، قال : ثني الشعبي أو غيره ، عن شريح أنه قال في قوله : وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : بينة المدعي ، أو يمين المدعى عليه . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود بن أبي هند ، في قوله : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : نبئت عن شريح أنه قال : شاهدان أو يمين . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا معتمر ، قال : سمعت داود قال : بلغني أن شريحا قال فَصْلَ الْخِطابِ الشاهدان على المدعي ، واليمين على من المنكر . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن طاوس ، أن شريحا قال لرجل : إن هذا يعيب علي ما أعطي داود ، الشهود والأيمان . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن شريح أنه قال في هذه الآية وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : الشهود والأيمان . حدثنا عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث ، قال : ثنا داود ، عن الشعبي ، في قوله : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : يمين أو شاهد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَفَصْلَ الْخِطابِ البينة على الطالب ، واليمين على المطلوب ، هذا فصل الخطاب . وقال آخرون : بل هو قول : أما بعد . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا إسماعيل ، عن الشعبي في قوله : وَفَصْلَ الْخِطابِ قال : قول الرجل : أما بعد . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنه آتى داود صلوات الله عليه فصل الخطاب ، والفصل : هو القطع ، والخطاب هو المخاطبة ، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم ، ومن قطع مخاطبته أيضا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيا ، فإقامة البينة على دعواه وإن كان مدعى عليه فتكليفه اليمين إن طلب ذلك خصمه . ومن قطع الخطاب أيضا الذي هو خطبة عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد . فإذ كان ذلك كله محتملا ظاهر الخبر ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد ، ولا ورد به خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت ، فالصواب أن يعم الخبر ، كما عمه الله ، فيقال : أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخطب . القول في تأويل قوله تعالي : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا . . . إِذْ دَخَلُوا . . . تُشْطِطْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وهل أتاك يا محمد نبأ الخصم وقيل : إنه عني بالخصم في هذا الموضع ملكان ، وخرج في لفظ الواحد ، لأنه مصدر مثل الزور والسفر ، لا يثني ولا يجمع ؛ ومنه قول لبيد : وخصم يعدون الدخول كأنهم * قروم غياري كل أزهر مصعب وقوله : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ يقول : دخلوا عليه من غير باب المحراب ؛ والمحراب مقدم كل مجلس وبيت وأشرفه . وقوله : إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فكرر إذ مرتين وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك : قد يكون معناهما كالواحد ، كقولك : ضربتك إذ دخلت علي إذا جترأت ، فيكون الدخول هو الاجتراء ، ويكون أن تجعل إحداهما على مذهب لما ، فكأنه قال : إذ تسوروا المحراب لما دخلوا ، قال : وإن شئت جعلت لما في الأول ، فإذا كان لما أولا أو آخرا ، فهي بعد صاحبتها ، كما تقول : أعطيته لما سألني ،